كل المقالات
صالح الوعلان · 2026

تطوير أطر الحوكمة وإدارة المخاطر في الاستثمار الجريء لضمان استدامة ثروات الشركات العائلية

تطوير أطر الحوكمة وإدارة المخاطر في الاستثمار الجريء لضمان استدامة ثروات الشركات العائلية

على مدى السنوات الأخيرة، تابعت عن قرب التحول الجذري في فلسفة الاستثمار لدى الشركات العائلية في منطقتنا، حيث لم يعد التركيز مقتصرا على حماية الأصول التقليدية كالقطاع العقاري أو التجارة العامة. لقد أدركت من خلال تجربتي المباشرة في عالم الاستثمار أن الأجيال الجديدة في المكاتب العائلية تحمل رغبة طموحة للاندماج في اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا من خلال الاستثمار الجريء. هذا التوجه نحو الشركات الناشئة والتقنيات الواعدة يمثل خطوة استراتيجية ضرورية لتنويع مصادر الدخل ومواكبة التحولات الاقتصادية السريعة التي تشهدها المملكة والمنطقة بشكل عام. ومع ذلك، فإن الدخول في هذا المجال المعقد يتطلب بالضرورة إعادة نظر شاملة في كيفية إدارة هذه الاستثمارات. إن الاستثمار الجريء، برغمه من أنه يحمل أرباحا عالية وفرصا واعدة لنقل المعرفة، يفرض تحديات جليلة تتعلق بطبيعته التي تتسم بدرجات مرتفعة من المخاطرة والتقلب. لهذا السبب، أولي اهتماما خاصا لدراسة ومتابعة كيفية دمج هذا النوع من الاستثمارات ضمن المنظومة الاستثمارية للشركات العائلية بطريقة تضمن الابتكار دون التضحية بالاستقرار المالي العائلي الذي بني على مدى عقود.

إن التحدي الجوهري الذي أراه دائما عند الحديث عن الاستثمار الجريء في الشركات العائلية يكمن في وجود صراع فكري بين طبيعة الاستثمار الجريء القائمة على تقبل الفشل كجزء من مسار النجاح، وبين الفلسفة المحافظة للشركات العائلية التي تركز بالأساس على صون رأس المال. الأطر التقليدية للحوكمة، التي صممت للتعامل مع أصول قاطعة ومستقرة، كثيرا ما تقف عاجزة أمام سرعة وتغيرات سوق الشركات الناشئة. من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى صياغة قواعد حوكمة مرنة ومتطورة تفصل بين العاطفة العائلية والقرارات الاستثمارية الاستراتيجية. أؤمن بأن الحوكمة الرشيدة ليست عائقا أمام الابتكار، بل هي الركيزة الأساسية التي تمنح المستثمر الجريء الشجاعة لاتخاذ قرارات الجريئة ضمن حدود مخاطرة محسوبة وموضوعة بعناية. عندما يتم بناء عملية اتخاذ القرار الاستثماري على أسس مؤسسية واضحة، يصبح بمقدور العائلة الاستثمار في أفكار مستقبلية دون تعرض ثروتها الأساسية لتكبد خسائر غير محسوبة، مما يحمي الرصيد التاريخي للعائلة ويمنحها في الوقت ذاته فرصة للمشاركة الفعالة في صياغة المستقبل الاقتصادي.

لتطبيق ذلك على أرض الواقع، أرى أن الخطوة الأولى تتجسد في تأسيس لجان استثمار مستقلة تضم خبراء متخصصين في مجال التكنولوجيا والاستثمار الجريء، إلى جانب ممثلين عن العائلة المالكة. إن وجود هذه اللجان يضمن تخطيط القرارات بناء على تقييمات علمية ودراسات نافية للجهالة بدلا من الاعتماد على الانطباعات الشخصية أو العلاقات الفردية. بالإضافة إلى ذلك، يجب تحديد نسبة سقفية محدودة من إجمالي ثروة العائلة تخصص للاستثمار الجريء، بحيث تتوزع على محفظة متنوعة من القطاعات والشركات الناشئة في مراحل نمو مختلفة لتوزيع المخاطر. من جانب آخر، تلعب الحوكمة دورا حاسما في جسر الفجوة بين جيل المؤسسين المحافظ وجيل الشباب الأكثر حماسا للتقنية، حيث توفر الحوكمة لغة مشتركة ومعايير قياس أداء واضحة ومكشوفة للجميع. هذه الهيكلية المؤسسية لا تضمن فقط سلامة القرار الاستثماري، بل تساهم في إعداد وتأهيل أفراد العائلة الصغار للتعامل مع أدوات الاستثمار الحديثة وفق أعلى المستويات العالمية.

فيما يتعلق بإدارة المخاطر، فإن رؤيتي تعتمد على أن إدارة المخاطر في الاستثمار الجريء لا تعني تجنب المخاطرة بأي ثمن، بل تعني فهمها بدقة ومتابعتها بشكل فعال ومستمر. يتطلب ذلك تطبيق آليات متابعة حثيثة لما بعد الاستثمار، والعمل عن قرب مع مؤسسي الشركات الناشئة لتقديم الدعم والخبرة التي تمتلكها العائلة، مما يقلل من احتمالات الفشل ويضاعف من فرص النجاح. تشمل إدارة المخاطر الذكية أيضا وضع سيناريوهات خروج واضحة ومسبقة لكل استثمار، ومراجعة المحفظة الاستثمارية بشكل دوري للتعامل مع أي تغيرات طارئة في السوق. علاوة على ذلك، أجد أن الربط بين مجالات الاستثمار الجريء والأنشطة التشغيلية الأساسية للشركة العائلية يوفر حماية مضاعفة، حيث يمكن للعائلة تقديم قيمة مضافة حقيقية للشركات الناشئة من خلال شبكة علاقاتها وخبرتها السوقية، وفي المقابل تستفيد الشركة العائلية من الابتكارات الحديثة لتطوير أعمالها التقليدية. هذا التكامل بين إدارة المخاطر والإنشاء الفعلي للقيمة يمثل الدرع الحقيقي لاستدامة الثروة العائلية عبر الأجيال المتعاقبة.

إن استدامة ثروات الشركات العائلية في عصر التحول الرقمي السريع لم تعد تعتمد على حماية المكتسبات الماضية فحسب، بل على القدرة على التكيف والتجدد الذاتي الملتزم. أؤمن عميقا بأن تطوير أطر الحوكمة وإدارة المخاطر في الاستثمار الجريء هو الجسر الحقيقي الذي يربط بين عراقة الماضي وآفاق المستقبل. هذا الموضوع يمثل لي أولوية شخصية ومهنية أتابع تطوراته وأدبياته بعناية فائقة، سعيا لتطوير رؤى ونهج عملي يخدم بيئة الأعمال والاستثمار في مجتمعنا. ويسعدني دائما التواصل وتبادل الآراء والخبرات مع الزملاء والمهتمين وقادة الشركات العائلية والخبراء في مجال الاستثمار الجريء والحوكمة. أترقب بشغف الحوارات المثمرة والاستفادة من التجارب المتنوعة التي تسهم في تطوير هذا القطاع الحيوي وتضمن تمكين أجيالنا القادمة من قيادة المستقبل بثبات واقتدار.

تطوير أطر الحوكمة وإدارة المخاطر في الاستثمار الجريء لضمان استدامة ثروات الشركات العائلية - 2
عن الكاتب

صالح الوعلان

تنفيذي سعودي في الرياض: رئيس مجلس إدارة ورئيس تنفيذي لشركة نتائج للبحوث والدراسات وشركة 86 للاستثمار، ومختص في الاستدامة المالية.